ابن قتيبة الدينوري ( تحقيق الشيري )

58

الامامة والسياسة

منهم ، وعرف رأيهم فيها ( 1 ) . قال يا غلام : قل للقاضي يمضيها على ما قال أمير المؤمنين عثمان ( 2 ) . قال الشعبي : ودخلت عليه الترك ، قد شدوا أوساطهم بعمائمهم ، وانتزعت السيوف من أعناقهم وأخذوا الطوامير ( 3 ) بأيمانهم ، فدخل عليه رجل ( 4 ) من قبل أمير المؤمنين عبد الملك . فقال له الحجاج : كيف تركت أمير المؤمنين وأهله وولده وحشمه ؟ فأنباه عنه وعنهم بصلاح . فقال : ما كان وراءك من غيث ؟ قال : نعم ، أصلح الله الأمير ، أصابتني سحابة في موضع كذا ، فواد سائل ، وواد تارع ( 5 ) ، فأرض مدبرة ، وأرض مقبلة ، حتى صدعت عن الكمأه أماكنها ، فما أتيتك إلا في مثل مجرى الضب ( 6 ) . فقال للحاجب : ائذن للناس فدخل عليه رجلا أتاه من قبل نجد ( 7 ) . فقال له : ما كان وراءك من غيث ؟ فقال : كثير الإعصار ، واغبر البلاد ، وأكل ما أشرف من الحشيشة ، فاستيقنا أنه عام سنة . فقال : بئس المخبر أنت . قال : أخبرتك بالذي كان . فقال للحاجب : ائذن للناس ، فدخل عليه رجل أتاه من قبل اليمامة . فقال : هل كان وراءك من غيث ؟ قال : نعم . وسمعت الرواد يدعون إلى ريادها ، وسمعت رائدا يقول : هلموا ( 8 ) أطعمكم محلة تطفوا فيها النيران ، وتشتكي فيها النساء ، وتنافس فيها المعز . فقال له : ويحك ، إنما تحدث أهل الشام فأفهمهم . فقال : أصلح الله الأمير ، أما تطفوا النيران ، فيستكثر فيها الزبد واللبن والتمر ، فلا توقد نار [ يختبز بها ] ، وأما أن يشتكي النساء : فإنه من جذبها على إبريق لبنها فتظل تمخض لبنها فتبيت ولها أنين من عضديها ، وأما تنافس المعز : فإنها ترأم من نوار النبات وألوان الثمر ما يشبع بطونها ، ولا يشبع عيونها ، فتبينت ، وقد امتلأت أكراشها ، لها من الكظة

--> ( 1 ) أنظر ما جاء في أقوالهم مروج الذهب 3 / 176 العقد الفريد 5 / 33 . ( 2 ) وكان رأي عثمان بن عفان : أن جعلها أثلاثا . ( 3 ) في العقد : " وكتبهم " والطوامير جمع طومار وهو الصحيفة . ( 4 ) في العقد : من بني سليم واسمه شبابة بن عاصم . ( 5 ) في العقد 5 / 34 : نازح . ( 6 ) في العقد : وجئتك في مثل وجار الضبع ( أنظر اللسان : وجر ) . ( 7 ) في العقد : من بني أسد . ( 8 ) في العقد : هلموا ظعنكم إلى محلة تطفأ فيها النيران .